ابن بطوطة
73
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
ثم رفعه الرجال وركبت فرسي ودخلنا القصر فجلس بموضع مرتفع وعنده الوزراء والأمراء ووقف العبيد بالتّرسة والسيوف والعصى ، ثم أتى بالطعام ثمّ الفوفل والتنبول ثم أتى بصفحة صغيرة فيها الصندل المقاصرى « 230 » ، فإذا أكلت جماعة من الناس تلطّخوا بالصندل . ورأيت على بعض طعامهم يومئذ حوتا من السردين مملوحا غير مطبوخ ، أهدي لهم من كولم ، وهو ببلاد المليبار كثير ، فأخذ الوزير بسردينة وجعل يأكلها ، وقال لي : كل منه فإنه ليس ببلادنا ! فقلت : كيف أكله وهو غير مطبوخ ؟ فقال : إنه مطبوخ ، فقلت : أنا أعرف به فإنه ببلادي كثير ! ! ذكر تزوجي وولايتي القضاء وفي الثاني من شوال « 231 » اتفقت مع الوزير سليمان مانايك على تزوج بنته ، فبعث إلى الوزير جمال الدين أن يكون عقد النكاح بين يديه بالقصر فأجاب إلى ذلك ، وأحضر التّنبول على العادة والصندل ، وحضر الناس وأبطأ الوزير سليمان ، فاستدعي فلم يأت ، ثم استدعي ثانية فاعتذر بمرض البنت ، فقال لي الوزير سرّا : إن بنته امتنعت وهي مالكة أمر نفسها ، والناس قد اجتمعوا فهل لك أن تتزوج بربيبة السلطانة زوجة أبيها وهي التي ولده متزوج بنتها ؟ فقلت له : نعم ، فاستدعى القاضي والشهود ووقعت الشهادة ، ودفع الوزير الصداق ، ورفعت إليّ بعد أيام ، فكانت من خيار النساء ، وبلغ حسن معاشرتها أنها كانت إذا تزوجت عليها تطيّبني وتبخر أثوابي وهي ضاحكة لا يظهر عليها تغيّر « 232 » . ولما تزوجتها أكرهني الوزير على القضاء وسبب ذلك اعتراضي على القاضي لكونه يأخذ العشر من التركات إذا قسمها على أربابها ، فقلت له : إنما لك أجرة تتفق بها مع الورثة ، ولم يكن يحسن شيئا ، فلما ولّيت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع ، وليست هنالك خصومات كما هي ببلادنا ! فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلّقين ، وكانت إحداهن لا تزال في دار المطلّق حتى تتزوج غيره ، فحسمت علة ذلك ، وأوتى إليّ بنحو خمسة وعشرين رجلا ممن فعل ذلك فضربتهم وشهّرتهم بالأسواق وأخرجت النساء عنهن ثم اشتددت في إقامة الصلوات وأمرت الرجال بالمبادرة إلى الأزقة والأسواق إثر
--> ( 230 ) حول الكتاتي ج كتّى انظر ج . IV ، 122 وحول المقاصري يراجع ج 319 - 250 , III ( 231 ) هذا التاريخ يوافق 6 يبراير 1344 . ( 232 ) أخطأ التراجمة عندما ترجموا ( تزوجت عليها ) بما يقتضي ( تزوجت بها ) المقدمة .